محمد بن أحمد الفاسي
280
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
مذهبهم الذي هم عليه : أن الوجود واحد ، ويسمون أهل وحدة الوجود ، ويدعون التحقيق والعرفان ، وهم يجعلون وجود الخالق ، عين وجود المخلوقات . فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبيح ، ومدح وذم ، إنما المتصف به عندهم عين الخالق . ثم قال ابن تيمية : ويكفيك بكفرهم ، أن من أخف أقوالهم : إن فرعون مات مؤمنا بريئا من الذنوب ، كما قال - يعنى ابن عربى - وكان موسى قرة عين لفرعون ، بالإيمان الذي أعطاه اللّه عند الغرق ، فقبضه طاهرا مطهرا ، ليس فيه شئ من الخبث ، قبل أن كتب عليه شئ من الآثام ، والإسلام يجب ما قبله . وقد علم بالاضطرار ، من دين أهل الملل : المسلمين واليهود والنصارى ؛ أن فرعون من أكفر الخلق . واستدل ابن تيمية على ذلك ، بما تقوم به الحجة ، ثم قال : فإذا جاءوا إلى أعظم عدو للّه من الإنس والجن ، أو من هو من أعظم أعدائه ، فجعلوه مصيبا محقا فيما كفره به اللّه ، علم أن ما قالوه أعظم من كفر اليهود والنصارى ، فكيف بسائر مقالاتهم ؟ . وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها ، على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته ، ليس في ذاته شئ من مخلوقاته ، ولا في مخلوقاته شئ من ذاته ، والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا : إنه حال في كل مكان ، فكان مما أنكروه عليهم ، أنه كيف يكون في البطون والحشوش والأخلية ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . فكيف من جعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار ؟ . ثم قال ابن تيمية : وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء ؟ فإن أولئك غاية كفرهم أن جعلوه مثل المخلوقات ، لكن يقولون : هو قديم ، وهي محدثة ، وهؤلاء جعلوه عين المحدثات ، وجعلوه نفس المصنوعات ، ووصفوه بجميع النقائص والآفات ، التي يوصف بها كل فاجر وكافر ، وكل شيطان وكل سبع ، وكل حية من الحيات . فتعالى اللّه عن إفكهم وضلالهم ، ثم قال : وهؤلاء يقولون : إن النصارى إنما كفروا لتخصيصهم ، حيث قالوا : إن اللّه هو المسيح . فكل ما قالته النصارى في المسيح ، يقولونه في اللّه سبحانه وتعالى ، ومعلوم شتم النصارى للّه وكفرهم به ، وكفر النصارى جزء من كفر هؤلاء . ولما قرأوا هذا الكتاب المذكور ، على أفضل متأخريهم ، قال له قائل : إن هذا الكتاب يخالف القرآن ، فقال :